الراغب الأصفهاني
313
الذريعة إلى مكارم الشريعة
الطيب التام الطيب هو الذي جمع اللذة والنفع والفضيلة ، وذلك هو القدر المتبلغ به على ما يجب وكما يجب ، ألا ترى كيف ذم من لم يكن ذلك قصده فقال تعالى : ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ . فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ « 1 » وقال تعالى : وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الْأَنْعامُ وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ « 2 » ومن الدلالة على خسة كثرة الأكل ادعاء العامة الاستغناء بالقليل ، وقلة وجود المفتخر بكثرة الأكل ، وقد قيل من كانت همته ما يدخل بطنه فقيمته ما يخرح من بطنه ، وقد استحسن قول الشاعر : فإنك مهما تعط بطنك سؤله * وفرجك نالا منتهى الذم أجمعا « 3 » وقد قال عليه السّلام : « حسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه فإن كان لا بد فثلث للطعام وثلث للشراب وثلث للنفس » « 4 » وقال عليه السّلام : « المؤمن يأكل في معي واحد والكافر يأكل في سبعة أمعاء » « 5 » فنبه في الخبرين أنه لا يستحب للإنسان إلا الأكل في سبع بطنه وهو ما ذكره من اللقيمات ، وذلك دون عشر لقيمات لأن جمع القلة بالألف والتاء لما دون العشرة ثم رخص لمن غلب عليه النهم أن يبلغ إلى ثلث بطنه فحصل من ذلك أن أكل المؤمن في اليوم ينبغي أن يكون سبع بطنه أو ثلث « 6 » بطنه .
--> ( 1 ) الحجر / 3 . ( 2 ) محمد / 12 . ( 3 ) سبق تخريجه . ( 4 ) ديوان حاتم الطائي / صادر بيروت / 1974 م ص 68 . ( 5 ) رواه البخاري من طرق عديدة . البخاري أطعمة / 2 / حديث 5393 - 5397 . فتح الباري / 9 / 536 . ( 6 ) في ط « بحسب شبع بطنه ثلثه » وواضح أن الكلام تلخيص لما سبق وهو إما السبع وإما الثلث .